وقفات مع المنظومات الفقهية وموقعها في الطلب

لا يخفى انتشار المنظومات العلمية في علومنا الشرعية – التي هي محل حديثي مع القارئ – فنرى طالب العلم المعاصر يبحث عن المنظومات للمتون الفقهية وغيرها من المتون في العلوم الشرعية لاسيما متون علوم الآلة ، ليحفظها ويصير محصلا حافظا لذلك المتن ..وأنا من خلال تلك الكلمات وددت أن أقف مع قضية المتون المنظومة في العلوم الشرعية خاصة وقفات أرجو الله تعالى أن ينتفع بها الطلاب :

الوقفة الأولى : اعلم ياطالب العلم أن النظم أو الطريقة الشرعية عمرها أقدم من الفقه في حياتنا العلمية الدراسية ..فالشعر مستعمل منذ الجاهلية ، بل حتى في حال ظهور واستقرار الفقه الإسلامي كمادة يتناولها الأئمة اتستقلالا ظل زمانا طويلا دون استعمال النظم فيه ، فأول المنظومات العلمية كانت في علم الكلام في العصر العباسي ، ولا نعرف تحديدا أول منظومة فقهية ، لكن يرى أكثر الباحثين أنها منظومة الصوم والزكاة لأبان بن لاحق الذي ولد سنة 135 هـ وهو الذي نظم كليلة ودمنة ..!

فلما نظمها قيل له : ألا تنظم شيئا في الزهد ؟ فنظم نظما في الصوم والزكاة ..

هذه الفجوة الزمانية بين ظهور العلوم الشرعية والفقه خاصة ينبغي ألا تمر على أذهاننا مرور الكرام ..وينبغي أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال :

لماذا لم ينظم المتقدمون من الأئمة الفروع الفقهية ؟ ثم لم لم تنتشر المنظومات الفقهية في عصرها الأول بعد ابتكارها ؟

إننا لو راجعنا طريقة السالفين قبل انتشار ظاهرة النظم الفقهي نجد أنهم ما اعتمدوها مع قدرتهم عليها ؛ فكثير منهم بل ربما أكثرهم كان يشعر ؛ وكان الشعر له سجية ، ولا نستفيض في بيان ذلك فهو معروف أقرب إلى البديهي الحاضر ذهنا ، لابد وأن يكون ثمة مناط – سبب- لذلك ، وهذا المناط غير متحقق في العصر الذي انتشر فيه النظم الفقهي إلى الآن – فما هو ذاك ؟

الذي رأيته وتأملته – الله أعلم بالصواب – أن ذلك إنما كان تابعا لا مستقلا ؛ فالنظم الفقهي أو النثر الفقهي ما هما إلا ظواهر تابعة للحالة الفقهية العامة التي يكون عليها الفقهاء والدارسون والتي هي محاطة بثقافة ومنهجية الحقبة التاريخية ذاتها ..فكيف انطبق ذلك على قضية النظم والنثر الفقهيين ؟

لن أتناول في حديثي الفقه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وإنما تعنيني الحقبة الزمانية التالية والتي استقر فيها الفقه كعلم يلقن وله جباله وأئمته والذين اشتهر منهم أهل العراق خاصة وبعض من غيرهم ..حيث استقرت وترسخت المدارس الفقهية والتي استقر منها المدارس الأربع المشهورة .

في تلك الحقبة ما سمعنا أو قرأنا او علمنا حول النظم الفقهي كما هو عليه منذ انتشار ظاهرته إلى الآن ..بل كان الفقه مسائل تطرح ، ولم يكن حتى ثمة التبويب الفقهي المعروف من العبادات والمعاملات ..وإنما كان يطلق على الكل : فروع أي ما يقابل الأصول والتي هي التوحيد ..حتى أن علم أصول الفقه كان مسائلا تذكر في معرض بيان الفروع لبيان ما بنيت عليه ..وهنا لم ينتشر النظم .. ومناط ذلك واضح ..وهو أنهم يتعايشون بالفروع دراسة وتنقيحا وضما وتفريقا مع الفروع الفقهية ..ولا يأخذونها كمادة واحدة تحفظ كما هي من أولها إلى أخرها ثم ينظر في شروحها ..وعلى الرغم من قدم عهد التبويب الفقهي إلا أنه لم يكن دارجا في المجالس الفقهية ، فلم يكن ولم نسمع حول الأئمة يشرحون كتابا فقهيا ، فضلا عن متن مختصر ، فضلا عن منظومة فقهية ..وإنما كانت مجالس العلم والاستنباط والتذاكر ..وما مجالس أبي حنيفة عن أذهان الطلبة المطلعين ببعيدة ولا تنفك هذه الحالة العامة بوجه من الوجوه عن قربها بالزمان الأول ..

هذا المناط هو ما نفقده نحن الآن في العصور المتأخرة ..فقد تبلور الفقه عندنا واتخذ مسالك مختلفة في التدريس .. هذه المسالك في مجملها كانت سلبية النتيجة ..جافة الثمرة ..وإنما أقول ” في مجملها ” لأنها حزمة مكونة من مسالك صحيحة كفكرة التدرج المتني ، ومن مسالك سلبية مخالفة للصواب كالتجريد عن النصوص وسائر الأدلة الشرعية الأخرى في المراحل المبتدية ..فيظنون أنك ينبغي عليك أن تحفظ المتن وتفك ألفاظ أحكامه دون النظر في أوجه الدلالة ..وهذا مخالف لما كان عليه السلف في التدرج المذهبي ؛ حيث عمدة الفقه لابن قدامة لأبدأ المبتدئين مقرونة بالدليل حيث يتمرن المبتدي على النظر في الدلالات وأوجه الاستنباط ..ومثله متن المختار للموصلي الحنفي ؛ وضع الماتن نفسه عليه شرح ” الاختيار لتعليل المختار ” قصد منه بيان الأدلة من النصوص وسائر أدلتنا – الحنفية – وهو متن موضوع كذلك لأبدأ المبتدئين من الطلبة الحنفية ..

وهكذا ..استوعب المتقدمون المسائل والفروع بعلمهم ومدارستهم ..وعجز عن ذلك المتأخرون ..فمتنوا واختصروا ..ثم لما كانت غايتهم حفظ المتن ..نظموه ليحفظ ..احفظ هذا

الوقفة الثانية :

لا بأس من تقرير الحال ، بل هو المتعين ، فنحن حين نبغي التفقه لن نعيش بالخيال مع عصور السلف ومنهجيتهم في الطلب ، وإنما نتعامل مع المتاح ..

ولما أن كان المتاح هو تسيب وتحرر وتبديع للمذهبية ..أو مذهبية فيها جمود وحرفية وتدقيق بالتعامل مع المتون الجافة المتأخرة دون استحضار الروح التشريعية الغضة الأولى ..لما كان الأمر كذلك ..وجب علينا ارتكاب أخف المفسدتين ..وفعل ما فيه الأصلح لحال الطلب ..وهو التعامل مع المذهبية الجافة الناشئة الآن كرد فعل للتسبب المذكور ..ولكن مع محاولة تعديلها إلى مذهبية معتدلة ..ويراد بها المذهبية التي كان عليها من اتبع نهجهم كابن قدامه والنووي

فلما كان النظم الفقهي هو إحدى ظواهر الدراسة المذهبية ، كان تناوله – أي النظم – مقصورا على المراد منه ..وهو حفظ المسائل ..لا أن يجعل هو الأصل والشغل الشاغل فتوضع عليه الشروح ..

نعم لا أرى أن تشرح المنظومات الفقهية ..فإن في ذلك نوع تشتيت وهدر لذهن الطالب المبتدئ ولا يحتاج إلى ذلك المنتهى ؛ فالمنظوم الفروعي هو أعسر في تصور المسائل من النثر الفروعي ..ولما كان الغرض من قضية النظم هو حفظ الفروع لاستعصاء النثر مهما سهل على البعض ..كان من المناسب الاستفادة من المنظوم في تلك الجزئية ..والاستغناء عنه حين يعسر هذا النظم من اعتبارات أخرى ..كالشرح والتوضيح ..فهنا يسهل النثر

الوقفة الثالثة :

النظم لا يخلو من تعقيد لا مجال لبيانه هنا فهو معروف ؛ كالضرورة الشرعية ، وانفصام الأحكام المتسلسلة في الأبيات ..فتنقطع المتابعة الذهنية للأحكام المنسابة المتشابهة ويصعب ، جدا التحكم في نظمه وإخراجه عن تلك الصفة حتى ولو قصر ..ولا أعرف نظما فقهيا قط خرج عن تلك الصفة .. وعليه ؛ فحينما ننظر إلى الغرض من نظم المتون الفقهية وهو حفظها يلزم أن نقارن دائما بين المتن المنظوم والمتن المنثور ..فربما لو طال النظم كان النثر أيسر حفظا ..فالبعض مثلا يفضل حفظ نثر الورقات للجويني على حفظ نظمها للعمريطي ؛ حيث يرى أن حفظ النثر هنا في هذا المتن أيسر من حفظ النظم .. وهكذا ؛ ينبغي دائما مراقبة الغرض الرئيسي وهو يسر الحفظ لا التعلق فقط بصورة النظم .. فربما كان النثر أيسر . تأمل فهو مهم .

الوقفة الرابعة :

أغلب المنظومات الفقهية تطول عن القدر الذي يحقق الغرض ، والذي أراه هو أن طول المنظومة الفقهية هو أثر سلبي لدراسة غير قويمة ؛ فإنه يعكس الرغبة في حفظ كافة الفروع وإن تشعبت وتفرعت حفظ نصوص لها استحضار بطول نظر ودراسة ومذاكرة الأقران .. كما كان عليه السالفون ..

فيظل الطالب يحفظ النظم المطول وغرضه هو تحصيله ..أو تحصيل نصوص الفروع دون حقيقة المسائل والفروع وتكييفها وبيان متشابهها ومفترقها ..فالذي أراه في مقام النظم الفقهي ــ والله تعالى أعلم بالصواب – هو أن يقتصر فيه على أصول المسائل كما اختصر عليها متن أبي شجاع المنثور ومتن العمدة لابن قدامة ..أما تفريعات المسائل وما يتشعب ، فهذا يدرك ويحصل بالدراسة والتخريج والمذاكرة وتلقيح الفهوم مع الأصحاب ..

هذا ما حضرني حول النظم الفقهي ..والله تعالى أعلم بالصواب ..

والله تعالى أسأل أن يحسن نيتي فيما سطرت فما من مرجو سواه ..والحمد لله رب العالمين

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.