منذ بدأت التمييز قبل البلوغ ، وحينما كنت أقرأ أو يطرأ على مسامعي عبارات مثل ” مصلح اجتماعي ” .. ” تنمية مجتمعية ” .. ما كنت أقنع بشيء من ذلك ، بل كان يتطرق إلى ذهني معنى المحاولات المثالية البلهاء ، الإصلاحية من خلال رسم الابتسامة المشرقة مع شمس الصباح ، وعبير الزهور في الربيع ، وشرب الكوكاكولا أو البيبسي في الجو الحار ، والتنزه المثالي المحترم على الكورنيش ، ونسمع كلام بابا وماما ونكون مؤدبين ، حلوين …إلخ . ولم تكتسب هذه المصطلحات عندي قديما احتراما يوما ما ، ولن تكتسب ..يقينا ..
إن الإصلاح الاجتماعي له طريق واحد فقط ، وهو طريق السماء ، هو طريق التوجه بمنهج خالق هذه المجتمعات التي نريد إصلاحها فأي طريق نظنه طريقا لإصلاح المجتمعات فإنه يخدر المجتمعات وهي في طريقها إلى الموت وهي لا تشعر ، وكلما كان نوع ( البنج ) في الحقنة جيدا كلما اقتربت المجتمعات من الهلاك وهي ملتذة بإصلاحها الاجتماعي الزائف ..
نعم ، كل المجتمعات ، لا أستثني منها مجتمعا واحدا ، كل المجتمعات لا طريق إلى إصلاحها إلا طريقا واحدا ، هو طريق الله ، وما سوى ذلك من الطرق فهي طرق خرابها ، ولكن .. تتعدد صور الخراب ..والخراب واحد ..
فالمجتمعات الشيوعية قضى عليها الاستبداد والتجويع والقهر في ظل النظام الشيوعي اللينيني الاستاليني المشحون غباءا .. والمجتمعات الرأسمالية قضى عليها هوس الحرية المطلقة عن كل دين وقيد ..فتحولت إلى وحش أو حيوان مسعور يأكل كل من يتدنى عنه قيد أنمله .. كما قضى عليها الشذوذ واللواط وزواج المثلين حتى داخل الكنيسة !!
أما مجتمعاتنا العربية والإسلامية فإنها تتهالك بأسلوب مختلف ؛ ففي الوقت الذي نرى فيه المجتمعات الشيوعية تقتلها الشيوعية أي أنها تقتلها أشياء من صنع يدها حيث الفكر الفكر البلشفي اللينيني والاستاليني .. وفي الوقت الذي نرى فيه الولايات المتحدة تقتلها الرأسمالية .. إحدى تطبيقات الحرية التي هي نخاع المجتمع الأمريكي حيث الهجرة وحيث العبيد السود المتحررين والذين كانوا خدما للبيض .. في الوقت الذي نرى المجتمعات تتهالك وتخرب بما صنعت أيديها .. نرى فيه المجتمعات الإسلامية تقتلها الاشتراكية مرة ..والرأسمالية مرة ..والنظام الاقتصادي المشترك مرة ..والفوضى مرة .. وهي كلها أشياء ليست من صنع يدها ..أي أنه حتى الخراب الذي تقع فيه المجتمعات العربية والإسلامية هو مستورد ..فكل الأمم يخربها خراب من صنع يدها ، أما المجتمعات الإسلامية فقد صارت حقل تجارب لكافة الأنظمة المستوردة ! فهو خراب غربي أمريكي ..وخراب شرقي روسي ..إلى العديد من صور الخراب الأخرى ” المستوردة ” والتي أنهكت الشعوب ..فتعددت صور الخراب والخراب واحد !
عجيب أن يقع هذا من أمة أوجده االله لتخلفه في الأرض وتسيطر على المجتمعات الأخرى مسلمها وكافرها .. فمسلمها ؛ واضح وجه سيطرتها وحكمها .. وكافرها ؛ فالأمة الإسلامية التي جعلها الله شهداء على الناس من سياستها السيطرة على كل الأرض بمجتمعاتها ، فالمجتمعات غير الإسلامية لابد وأن يعيش تحت سلطان دولة العالم ، الدولة الإسلامية ، ويدفع ويلتزم ما عليه مما هو معهود مبسوط في مصنفات الفروع .
فمن أين هذا الخنوع وهذا الانحطاط ؟
أجدني هنا أستعير كلمة سيد قطب رحمه الله تعالى بنصها من ظلاله :
” الهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين . والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية ، فينبغي لها ان تستمد تقاليدها ـ كما تستمد عقيدتها ـ من المصدر الذي اختارها للقيادة .. والمسلمون هم الأعلون . وهم الأمة الوسط . وهم خير أمة أخرجت للناس . فمن أين إذا يستمدون تصورهم ومنهجهم ؟ إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه ! “
هل تتصور أن شيئا يصح وجوده دون السبب الذي وجد من أجله ؟
الله تعالى يقول : ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون “ فالله تعالى خلق هذه المجتمعات لعبادته تعالى ، فإن لم تحقق هذه المجتمعات العبودية لله تعالى فإن حقها هو الإهلاك منه تعالى ..لذلك أهلك لله تعالى هذه الأمم كعاد وثمود وقوم فرعون لأنها لم تحقق العبودية لله ، ولكن الله الحكيم ، يحاسب بعض الأمم بما تستحقه فيهلكها ، ويمد في أعمار أمم أخرى لحكمته وهو الحكيم العظيم الجليل ..قال تعالى
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية :
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ حِلْمه بِخَلْقِهِ مَعَ ظُلْمهمْ وَأَنَّهُ لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْر الْأَرْض مِنْ دَابَّة أَيْ لَأَهْلَكَ جَمِيع دَوَابّ الْأَرْض تَبَعًا لِإِهْلَاكِ بَنِي آدَم وَلَكِنْ الرَّبّ جَلَّ جَلَاله يَحْلُم وَيَسْتُر وَيَنْظُر إِلَى أَجَل مُسَمًّى أَيْ لَا يُعَاجِلهُمْ بِالْعُقُوبَةِ ; إِذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لَمَا أَبْقَى أَحَدًا . قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص أَنَّهُ قَالَ : كَادَ الْجُعَل أَنْ يُعَذَّب بِذَنْبِ بَنِي آدَم وَقَرَأَ الْآيَة ” وَلَوْ يُؤَاخِذ اللَّه النَّاس بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة ” وَكَذَا رَوَى الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي عُبَيْدَة قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه كَادَ الْجُعَل أَنْ يَهْلِك فِي جُحْره بِخَطِيئَةِ بَنِي آدَم وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن حَكِيم الْخُزَاعِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَابِر الْحَنَفِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : سَمِعَ أَبُو هُرَيْرَة رَجُلًا وَهُوَ يَقُول : إِنَّ الظَّالِم لَا يَضُرّ إِلَّا نَفْسه قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ : بَلَى وَاَللَّه حَتَّى إِنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوت فِي وَكْرهَا بِظُلْمِ الظَّالِم .
وقال القرطبي في تفسير ذات الآية :
وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْآيَةِ الْعُمُوم ; أَيْ لَوْ أَخَذَ اللَّه الْخَلْق بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْر هَذِهِ الْأَرْض مِنْ دَابَّة مِنْ نَبِيّ وَلَا غَيْره ; وَهَذَا قَوْل الْحَسَن . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : لَوْ أَخَذَ اللَّه الْخَلَائِق بِذُنُوبِ الْمُذْنِبِينَ لَأَصَابَ الْعَذَاب جَمِيع الْخَلْق حَتَّى الْجِعْلَان فِي حُجْرهَا , وَلَأَمْسَكَ الْأَمْطَار مِنْ السَّمَاء وَالنَّبَات مِنْ الْأَرْض فَمَاتَ الدَّوَابّ , وَلَكِنَّ اللَّه يَأْخُذ بِالْعَفْوِ وَالْفَضْل ; كَمَا قَالَ : ” وَيَعْفُو عَنْ كَثِير “
فانظر رحمني الله واياك ، كيف أن عصيان المجتمع البشري كاد أن يتسبب في إهلاك الإنسان والحيوان والحشرات وكل دابة على ظهر الأرض ! الله أكبر ..ما أظلمك أيها الإنسان ..‘ن النتيجة لعصيان الإنسان لله تعالى هي هلاك كل الدواب ، لماذا ؟ لأن الله تعالى كرم الإنسان في حال عبادته لله تعالى ، ونزع عنه هذا التكريم بنفس القدر حين إخلاله بالعبودية ، والله تعالى خلق الإنسان بروح وجسد ، تماما مثلما خلق الدواب بالروح والجسد ، إلا أن الانسان قد تميز بميزتين ظاهرتين :
الأولى : أن الله تعالى قد نفخ فيه من روحه حين خلق جسد آدم عليه السلام أول الخلق ، وهذا هو نفخ الروح من الله في رحم السيدة مريم عليها السلام ..وليس كما يشبه به النصارة الضالون على العوام المساكين من المسلمين .
الثانية : أن الله تعالى رفعه في التصرف والتملك ما لم يرفعه لغيره وسخر ه لمة البشر مالم يسخره لغيرها من الأمم ..نعم .. إن الكائنات الخرى هي أمم أمثالنا كما أخبرنا الله تعالى .. ورغم ذلك فأمتنا البشرية تملك الأمم الخرى من الحيوانات والطيور ، ولا تعبأ بأغلب أمم الحشرات ، فالإنسان هو الخليفة في هذه الأرض
فالله تعالى كرم الإنسان وسخر له ما في الأرض ، فلما أخل هذا الخليفة الخائن بالرسالة كان بذلك مستحقا للهلاك ، وتهلك معه كل دابة على الأرض سخرها الله تعالى له ، فهذا الخليفة الخائن هو محور الكون .
نعم ، تأمل معي الآتي ، إن الله تعالى كرم الإنسان ونفخ فيه من روحه وسخر له ما في الأرض جميعا ، لماذا ؟ لأنه خليفة لتحقيق العبودية في الأرض .
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفةً
فلما أخل هذا الخليفة بالرسالة ، وقدم الخيانة ، وبحث مغرورا بإقطاعيته الصغيرة الحقيرة التي هي الأرض عن ملكوت آخر يعبد فيه ويوالي مالكا آخر وعظيما آخر غير الله العظيم ، هنا استحق نزع الكرامة التي له ، واستحق نزع التسخير منه للأمم الأخرى ، فانحط بذلك بأمته البشرية إلى مصاف الأمم الأخرى غير البشرية من الحيوان والحشرات ، بل أقل منها ، فنزل إلى مرتبة الحيوانية ، ولما لم يخلقه الله لذلك ، ولما كان أن نفخ فيه من روحه وسخر له الأرض وما فيها ، فهنا استحق حرمان ذلك .. بالإعدام الإلهي ..بإهلاك الأمم ..الأمم البشرية الخائنة غير المستحقة للتكريم والتسخير ..
وهكذا ..تستحق الأمم المحق والإهلاك بانسلالها من العبودية ..التي هي ( المهمة الوحيدة ) التي خلقت لأجلها ..
ربي ..رب العالمين .. أشهدك أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لك وحدك ..وبذلك أمرتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .
كتبه
العبد / محمد رشيد
Filed under: حقيقة العبودية