هل سمعت مرة شابا أو شابة يذكر نفسه بأنه ” اجتماعي ” وأنه يستطيع إقامة علاقات مع الناس على مختلف توجهاتهم وطبائعهم ؟ هل رأيته مرة و هو يقف ويتحاور ويتضاحك مع شخص ذي توجه معين ، ثم رأيته يقف بنفس السلوك مع شخص آخر ذي توجه ثان ، ثم مع ثالث ذي توجه ثالث ، وهكذا ..؟
هل عرفت من هذا ؟ نعم ، هذا هو الشخص الذي نطلق عليه في مجتمعنا إنه شخص ” إجتماعي ” أليس كذلك ؟
وفي الحقيقة لا أهتم كثيرا بالمصطلحات ، فقط أهتم بالمضامين والمعاني خلف تلك المصطلحات ، قل اجتماعي ، قل انتشاري ، قل متعامل ، قل هلامي ..قل ما تريد ، وإنما يعنيني هذا المعنى الذي تترجمه عيني حينما أرى تلك الشخصية التي تحدثت عنها ، ربما تقف أنت معه مرة فتسأله السؤال التالي : يارجل أراك تقف مع فلان وتمزح معه ويحبك وهو اشتراكي ، وأراك تقف مع فلان الآخر ويضحك معك ويحبك وهو من حزب كذا ، وأرى فلانا يذكرك بخير ويقول إنه لا يرى أبدا من هو مثلك في العشرة والأدب وهو يعتقد العقيدة الفلانية …فما هذا يارجل وكيف نجحت في هذا ؟
فربما تراه هنا يبتسم لك ويقول في ثقة : أنا أحاول بقدر الإمكان أن أكون اجتماعيا ..وأنا بالفعل ناجح في هذا والناس كلها تحبني ..
ما هذا ؟ أو أقول : من هذا ؟
من هذا الشخص الذي يحبه الناس جميعا واستطاع أن يرضي الناس جميعا ؟ وهل هو شخص ذو عقيدة واضحة ؟ هل من يحبه أصحاب كل التوجهات هو شخص ذو عقدية واضحة ومعلومة ومحددة ؟ ..ربما يكون معتنقا عقيدة اللاعقيدة ، ولكنه في هذا الحال أيضا يكون معتنقا عقيدة العلمانية ، وهي في حد ذاتها عقيدة لها المنتسبون المتعصبون لها ، ولها أعداؤها المناوؤن لها ، فمن يكون هو الذي يرضى الناس جميعا إلا …منافق !
كلمة كبيرة ..منافق ! أليس كذلك ؟ بل هي كبيرة ، ولكن دعك منها وتعالى نكون عمليين ، لو أنك عزيزي القارئ كنت علمانيا ..حاشاك من ذلك .. ثم أجد علاقاتك حسنة إلى أعمق الحدود مع كل الأفكار من حولك ، فماذا يعني هذا ؟ أو بصيغة أدق للسؤال كيف استطعت أن تجعل الناس كلهم يحبونك ويتعاملون معك بقلوب صافية كما يصفها من يصف نفسه بأنه ” اجتماعي” ؟
قد تقول : أنا أعتقد أن لكل فرد عقيدته في قلبه وبعدها نتعامل بلغة الإنسانية …حسنا ، سأتجاوز معك وافترض أن هذا مشروع وممكن ..ولكني أجد نفسي هنا أسأل سؤالا آخر : وهل إذا كتم الناس عقائدهم في صورهم لن يظهر منهم ما يدل عليها تجاهك من علامات الحب أو البغض ؟ ..عليك أن تشك في ذلك فإن الإنسان بطبيعته ضعيف ..معبر ..يفضفض بما في قلبه ..لا يستطيع أن يكتم مشاعره تجاه الأشخاص ، فهو مخلوق ضمن مجتمع ، وليس إنسانا آليا . أليس كذلك ؟
إذا ما زال السؤال قائما : كيف استطاع هذا ” الاجتماعي ” أن يكون كذلك ؟
الجواب هو ما ذكرته لك : النفاق !
إن الانسان لا يستطيع أن يكتم عقيدته ، مشاعره تجاهها ، فهو دائما يعبر عنها ، بل ويدعو إليها كذلك ، وطالما هو تعرف عليك وصار صديقا لك ، فسيحدث واحد من اثنين ، إما انه سيدعوك لعقيدته فإن رضيت بها أو داهنته أو أظهرت له نوع ميول فهنا سوف يضحك لك وتصير من أحبابه وتصير اجتماعيا ..وإما إن رفضت فهو إنسان كيف سيكون حبيبا لك وتكون أنت ” اجتماعيا ” ؟!
لو كانت نظرية ” أنا اجتماعي ” صحيحة وفيها خير لكان أولى الناس بها هو محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه رأى من كفار قريش أشد ألوان الأذى ومحاولات الإهانة ، لماذا لم يكن النبي اجتماعيا حينما ضاق صدره من كلامهم ؟
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
سورة الحجر
لماذا لم يكن النبي اجتماعيا حينما استهزأ به القرشيون في عصر الدعوة المكية ؟
إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
سورة الحجر
لماذا لم يكن الرسل اجتماعيين حينما استهزأ بهم أقوامهم ؟
سورة النعام
ولماذا لم يكن النبي اجتماعيا فيمنع من نفسه سلا الإبل الذي كان يلقى عليه وهو يصلي بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
لا أدري، هل كان النبي يكتم عقيدته في قلبه ويتعايش مع المجتمع ؟! هل كان اجتماعيا على مذهب هذا الاجتماعي الذي نتحدث عنه ؟
عزيزي القارئ ، إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وطالما أنت على عقيدة محددة فاعلم أن لك أعداء قطعا ، فإن لم يكن لك أعداء فاعلم أنك لست على عقيدة وعليك هنا أن يكون لك أعداء ..و.. عليك أولا أن تكون لك عقيدة .
Filed under: الإصلاح الاجتماعي
ماشاء الله
بارك الله فيك يا شيخ
عمّرت دماغي
الحمد لله تعالى أن جعل وظيفتي تعمير دماغ إخواني المسلمين .. وأن أكون من خدم إخواني