لماذا لم تنجح إصلاحات دركر في تحقيق العدالة الاقتصادية

يعتبر بيتر دركر مبتكر علم الإدارة الحديث .. وعالم البيئة الاجتماعية ..كما يطلق عليه شيخ الإدارة .. وهو بالفعل مبتكر الإدارة كفن مستقل .. وباعتبار المذاهب الاقتصادية الواضحة رأسماليا أمريكيا محاربا للنظم الاقتصادية الأخرى كالتي تقررها الشيوعية الاستالينية والماوتسية الصينية والفاشية الإيطالية والنازية الألمانية الهتلرية ..نعم يمكن أن نقول هو رأسمالي .

لكن إذا أردنا أن نكون دقيقين فعليا أن ننبه إلى أن دركر كان له انتقادات كبيرة جدا بل ولاذعة أحيانا على الرأسمالية المعاصرة ونظام السوق الحر .. إن الذي لا يعرف دركر ثم يقرأ انتقاده للرأسمالية يظن أنه عدو لدود للرأسمالية ، ولكنه ليس شيوعيا ..

يقول عنه صديقه فلاهرتي :

” يرى دركر أن السبب الأهم كجمود رأسمالية القرن العشرين يعود إلى ولائها الوحيد لقيمة سامية واحدة جليلة ويفرضها على الحياة الاجتماعية والاقتصادية ..ألا وهي ذهب الرجل الاقتصادي الدنيوي ، وهو يعلن بشدة ان عقيدة الرجل الاقتصادية القائمة على الأنانية والجشع والسير وراء الخلاص الاقتصادي و تمجيد التوقعات المادية لم تكن كافية ولا مناسبة للوصول إلى مجتمع اقتصادي متماسك هادف . لقد تأسف على مفهوم فلسفي يبشر بما يلي : يجب أن يتم تركيز جميع الطاقات الاجتماعية على تحسين الأهداف الاقتصادية لأن التقدم الاقتصادي يحمل وعودا بالسعادة الاجتماعية المطلقة

ثم يقول صديقه فلاهرتي :

” لم يفهم دركر كيف لأي مذهب أن يحظى بالقبول الفلسفي و الحظوة الاجتماعية إذا كان يتجاهل كرامة الإنسان ويحول الرذائل إلى فضائل عامة وينبذ مفهوم الحرية وينتهك معايير المجتمع الأخلاقي العادل ويناقض المتطلبات الأساسية للوضع الإنساني .”

بيتر دركر كان من أشد الناس اتهاما للنظام الرأسمالي الجاري في الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان يراه ماديا بحتا مجانبا للأخلاق الكريمة- وهو كذلك – فما الذي كان يدعو إليه بيتر دركر ؟ كان يدعو إلى مجتمع تسود فيه الإنسانية والعدالة ..

يقول فلاهرتي :

” إن رفع مقام الاقتصاد واتباره القيمة المهيمنة في الرأسمالية يفصلها عن الأخلاق ، ويجعل من المحتم أن تقوم قوى المصلحة الذاتية النابذة ضيقة الأفق بتكوين الثروة ضمن الدولة على حساب تمزيق الروابط الاجتماعية الجاذبة التي توفر للمجتمع إحساسا متماسكا بالروح الاجتماعية ، ولن يؤدي فصل الاقتصاد عن الأخلاق إلى خلق …دنيوية من الداء المادي ..بل سيولد مجتمعا تسود فيه النواحي السيئة للطبيعة البشرية أكثر من الجيدة .”

الكلام واضح – والسؤال هنا : لماذا استجابت الشركات الأمريكية لأفكار دركر التي تعمل فقط على رفع كفاءة شركاتهم وأرباحها ..ولم تستجب له في ترسيخ هذه القاعدة وتلك المبادئ الأخلاقية ؟ الجواب : هو أنه لماذا الأخلاق ومعنا المادة ؟ وماذا تعني الأخلاق ؟ ..وما يعنينا من الإصلاح الاجتماعي ومراعاة حال العاملين طالما معنا الأموال التي تكفينا لسنين طويلة قادمة نحن وأحفادنا ؟ وهم محقون في ذلك ..نعم .. لماذا الأخلاق ؟ سؤال منطقي ووجيه جدا جدا ..أليس كذلك ؟ ماذا تعني الأخلاق ؟..أن يقول الناس : هذا شخص ذو خلق رفيع ؟.. طيب ..أنا لا أريد أن يقولوا ..لماذا تجبرني ؟

لابد من تبرير منطقي للأخلاق ..فالأخلاق وحدها دون تبرير لا معنى من ورائها ..لذا لما تخلى الشعب المريكي أو أغلبه عن عاداته وأعرافه في بلاده الأولى التي هاجر منها أسقط كل معنى للأخلاق ..لأنه لا يجد لها مبررا .. وهكذا أخلاق ومبادئ دركر الكونفوشيوسية الأصيلة لن تجد لها مبررا

نعم ..لا مبرر للأخلاق دون إله يحاسب فيجزي ويعاقب على الأخلاق ..لا اعتبار ولا مبرر للأخلاق دون عقيدة التوحيد التي نتوجه فيها إلى الله بأخلاقنا وأموالنا وصلاتنا ودمائنا ..هنا .. وهنا فقط .. نجد التبرير للأخلاق .. ولكل شيء يجري على سطح تلك الإقطاعية الصغيرة .. كوكب الأرض ..التابع للملكوت الإلهي السماوي الكائن فوق السماء السابعة ..آمنت بك ربي ..

وقفات مع المنظومات الفقهية وموقعها في الطلب

لا يخفى انتشار المنظومات العلمية في علومنا الشرعية – التي هي محل حديثي مع القارئ – فنرى طالب العلم المعاصر يبحث عن المنظومات للمتون الفقهية وغيرها من المتون في العلوم الشرعية لاسيما متون علوم الآلة ، ليحفظها ويصير محصلا حافظا لذلك المتن ..وأنا من خلال تلك الكلمات وددت أن أقف مع قضية المتون المنظومة في العلوم الشرعية خاصة وقفات أرجو الله تعالى أن ينتفع بها الطلاب :

الوقفة الأولى : اعلم ياطالب العلم أن النظم أو الطريقة الشرعية عمرها أقدم من الفقه في حياتنا العلمية الدراسية ..فالشعر مستعمل منذ الجاهلية ، بل حتى في حال ظهور واستقرار الفقه الإسلامي كمادة يتناولها الأئمة اتستقلالا ظل زمانا طويلا دون استعمال النظم فيه ، فأول المنظومات العلمية كانت في علم الكلام في العصر العباسي ، ولا نعرف تحديدا أول منظومة فقهية ، لكن يرى أكثر الباحثين أنها منظومة الصوم والزكاة لأبان بن لاحق الذي ولد سنة 135 هـ وهو الذي نظم كليلة ودمنة ..!

فلما نظمها قيل له : ألا تنظم شيئا في الزهد ؟ فنظم نظما في الصوم والزكاة ..

هذه الفجوة الزمانية بين ظهور العلوم الشرعية والفقه خاصة ينبغي ألا تمر على أذهاننا مرور الكرام ..وينبغي أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال :

لماذا لم ينظم المتقدمون من الأئمة الفروع الفقهية ؟ ثم لم لم تنتشر المنظومات الفقهية في عصرها الأول بعد ابتكارها ؟

إننا لو راجعنا طريقة السالفين قبل انتشار ظاهرة النظم الفقهي نجد أنهم ما اعتمدوها مع قدرتهم عليها ؛ فكثير منهم بل ربما أكثرهم كان يشعر ؛ وكان الشعر له سجية ، ولا نستفيض في بيان ذلك فهو معروف أقرب إلى البديهي الحاضر ذهنا ، لابد وأن يكون ثمة مناط – سبب- لذلك ، وهذا المناط غير متحقق في العصر الذي انتشر فيه النظم الفقهي إلى الآن – فما هو ذاك ؟

الذي رأيته وتأملته – الله أعلم بالصواب – أن ذلك إنما كان تابعا لا مستقلا ؛ فالنظم الفقهي أو النثر الفقهي ما هما إلا ظواهر تابعة للحالة الفقهية العامة التي يكون عليها الفقهاء والدارسون والتي هي محاطة بثقافة ومنهجية الحقبة التاريخية ذاتها ..فكيف انطبق ذلك على قضية النظم والنثر الفقهيين ؟

لن أتناول في حديثي الفقه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وإنما تعنيني الحقبة الزمانية التالية والتي استقر فيها الفقه كعلم يلقن وله جباله وأئمته والذين اشتهر منهم أهل العراق خاصة وبعض من غيرهم ..حيث استقرت وترسخت المدارس الفقهية والتي استقر منها المدارس الأربع المشهورة .

في تلك الحقبة ما سمعنا أو قرأنا او علمنا حول النظم الفقهي كما هو عليه منذ انتشار ظاهرته إلى الآن ..بل كان الفقه مسائل تطرح ، ولم يكن حتى ثمة التبويب الفقهي المعروف من العبادات والمعاملات ..وإنما كان يطلق على الكل : فروع أي ما يقابل الأصول والتي هي التوحيد ..حتى أن علم أصول الفقه كان مسائلا تذكر في معرض بيان الفروع لبيان ما بنيت عليه ..وهنا لم ينتشر النظم .. ومناط ذلك واضح ..وهو أنهم يتعايشون بالفروع دراسة وتنقيحا وضما وتفريقا مع الفروع الفقهية ..ولا يأخذونها كمادة واحدة تحفظ كما هي من أولها إلى أخرها ثم ينظر في شروحها ..وعلى الرغم من قدم عهد التبويب الفقهي إلا أنه لم يكن دارجا في المجالس الفقهية ، فلم يكن ولم نسمع حول الأئمة يشرحون كتابا فقهيا ، فضلا عن متن مختصر ، فضلا عن منظومة فقهية ..وإنما كانت مجالس العلم والاستنباط والتذاكر ..وما مجالس أبي حنيفة عن أذهان الطلبة المطلعين ببعيدة ولا تنفك هذه الحالة العامة بوجه من الوجوه عن قربها بالزمان الأول ..

هذا المناط هو ما نفقده نحن الآن في العصور المتأخرة ..فقد تبلور الفقه عندنا واتخذ مسالك مختلفة في التدريس .. هذه المسالك في مجملها كانت سلبية النتيجة ..جافة الثمرة ..وإنما أقول ” في مجملها ” لأنها حزمة مكونة من مسالك صحيحة كفكرة التدرج المتني ، ومن مسالك سلبية مخالفة للصواب كالتجريد عن النصوص وسائر الأدلة الشرعية الأخرى في المراحل المبتدية ..فيظنون أنك ينبغي عليك أن تحفظ المتن وتفك ألفاظ أحكامه دون النظر في أوجه الدلالة ..وهذا مخالف لما كان عليه السلف في التدرج المذهبي ؛ حيث عمدة الفقه لابن قدامة لأبدأ المبتدئين مقرونة بالدليل حيث يتمرن المبتدي على النظر في الدلالات وأوجه الاستنباط ..ومثله متن المختار للموصلي الحنفي ؛ وضع الماتن نفسه عليه شرح ” الاختيار لتعليل المختار ” قصد منه بيان الأدلة من النصوص وسائر أدلتنا – الحنفية – وهو متن موضوع كذلك لأبدأ المبتدئين من الطلبة الحنفية ..

وهكذا ..استوعب المتقدمون المسائل والفروع بعلمهم ومدارستهم ..وعجز عن ذلك المتأخرون ..فمتنوا واختصروا ..ثم لما كانت غايتهم حفظ المتن ..نظموه ليحفظ ..احفظ هذا

الوقفة الثانية :

لا بأس من تقرير الحال ، بل هو المتعين ، فنحن حين نبغي التفقه لن نعيش بالخيال مع عصور السلف ومنهجيتهم في الطلب ، وإنما نتعامل مع المتاح ..

ولما أن كان المتاح هو تسيب وتحرر وتبديع للمذهبية ..أو مذهبية فيها جمود وحرفية وتدقيق بالتعامل مع المتون الجافة المتأخرة دون استحضار الروح التشريعية الغضة الأولى ..لما كان الأمر كذلك ..وجب علينا ارتكاب أخف المفسدتين ..وفعل ما فيه الأصلح لحال الطلب ..وهو التعامل مع المذهبية الجافة الناشئة الآن كرد فعل للتسبب المذكور ..ولكن مع محاولة تعديلها إلى مذهبية معتدلة ..ويراد بها المذهبية التي كان عليها من اتبع نهجهم كابن قدامه والنووي

فلما كان النظم الفقهي هو إحدى ظواهر الدراسة المذهبية ، كان تناوله – أي النظم – مقصورا على المراد منه ..وهو حفظ المسائل ..لا أن يجعل هو الأصل والشغل الشاغل فتوضع عليه الشروح ..

نعم لا أرى أن تشرح المنظومات الفقهية ..فإن في ذلك نوع تشتيت وهدر لذهن الطالب المبتدئ ولا يحتاج إلى ذلك المنتهى ؛ فالمنظوم الفروعي هو أعسر في تصور المسائل من النثر الفروعي ..ولما كان الغرض من قضية النظم هو حفظ الفروع لاستعصاء النثر مهما سهل على البعض ..كان من المناسب الاستفادة من المنظوم في تلك الجزئية ..والاستغناء عنه حين يعسر هذا النظم من اعتبارات أخرى ..كالشرح والتوضيح ..فهنا يسهل النثر

الوقفة الثالثة :

النظم لا يخلو من تعقيد لا مجال لبيانه هنا فهو معروف ؛ كالضرورة الشرعية ، وانفصام الأحكام المتسلسلة في الأبيات ..فتنقطع المتابعة الذهنية للأحكام المنسابة المتشابهة ويصعب ، جدا التحكم في نظمه وإخراجه عن تلك الصفة حتى ولو قصر ..ولا أعرف نظما فقهيا قط خرج عن تلك الصفة .. وعليه ؛ فحينما ننظر إلى الغرض من نظم المتون الفقهية وهو حفظها يلزم أن نقارن دائما بين المتن المنظوم والمتن المنثور ..فربما لو طال النظم كان النثر أيسر حفظا ..فالبعض مثلا يفضل حفظ نثر الورقات للجويني على حفظ نظمها للعمريطي ؛ حيث يرى أن حفظ النثر هنا في هذا المتن أيسر من حفظ النظم .. وهكذا ؛ ينبغي دائما مراقبة الغرض الرئيسي وهو يسر الحفظ لا التعلق فقط بصورة النظم .. فربما كان النثر أيسر . تأمل فهو مهم .

الوقفة الرابعة :

أغلب المنظومات الفقهية تطول عن القدر الذي يحقق الغرض ، والذي أراه هو أن طول المنظومة الفقهية هو أثر سلبي لدراسة غير قويمة ؛ فإنه يعكس الرغبة في حفظ كافة الفروع وإن تشعبت وتفرعت حفظ نصوص لها استحضار بطول نظر ودراسة ومذاكرة الأقران .. كما كان عليه السالفون ..

فيظل الطالب يحفظ النظم المطول وغرضه هو تحصيله ..أو تحصيل نصوص الفروع دون حقيقة المسائل والفروع وتكييفها وبيان متشابهها ومفترقها ..فالذي أراه في مقام النظم الفقهي ــ والله تعالى أعلم بالصواب – هو أن يقتصر فيه على أصول المسائل كما اختصر عليها متن أبي شجاع المنثور ومتن العمدة لابن قدامة ..أما تفريعات المسائل وما يتشعب ، فهذا يدرك ويحصل بالدراسة والتخريج والمذاكرة وتلقيح الفهوم مع الأصحاب ..

هذا ما حضرني حول النظم الفقهي ..والله تعالى أعلم بالصواب ..

والله تعالى أسأل أن يحسن نيتي فيما سطرت فما من مرجو سواه ..والحمد لله رب العالمين

تعددت الصور .. والخراب واحد !!

منذ بدأت التمييز قبل البلوغ ، وحينما كنت أقرأ أو يطرأ على مسامعي عبارات مثل ” مصلح اجتماعي ” .. ” تنمية مجتمعية ” .. ما كنت أقنع بشيء من ذلك ، بل كان يتطرق إلى ذهني معنى المحاولات المثالية البلهاء ، الإصلاحية من خلال رسم الابتسامة المشرقة مع شمس الصباح ، وعبير الزهور في الربيع ، وشرب الكوكاكولا أو البيبسي في الجو الحار ، والتنزه المثالي المحترم على الكورنيش ، ونسمع كلام بابا وماما ونكون مؤدبين ، حلوين …إلخ . ولم تكتسب هذه المصطلحات عندي قديما احتراما يوما ما ، ولن تكتسب ..يقينا ..

إن الإصلاح الاجتماعي له طريق واحد فقط ، وهو طريق السماء ، هو طريق التوجه بمنهج خالق هذه المجتمعات التي نريد إصلاحها فأي طريق نظنه طريقا لإصلاح المجتمعات فإنه يخدر المجتمعات وهي في طريقها إلى الموت وهي لا تشعر ، وكلما كان نوع ( البنج ) في الحقنة جيدا كلما اقتربت المجتمعات من الهلاك وهي ملتذة بإصلاحها الاجتماعي الزائف ..

نعم ، كل المجتمعات ، لا أستثني منها مجتمعا واحدا ، كل المجتمعات لا طريق إلى إصلاحها إلا طريقا واحدا ، هو طريق الله ، وما سوى ذلك من الطرق فهي طرق خرابها ، ولكن .. تتعدد صور الخراب ..والخراب واحد ..

فالمجتمعات الشيوعية قضى عليها الاستبداد والتجويع والقهر في ظل النظام الشيوعي اللينيني الاستاليني المشحون غباءا .. والمجتمعات الرأسمالية قضى عليها هوس الحرية المطلقة عن كل دين وقيد ..فتحولت إلى وحش أو حيوان مسعور يأكل كل من يتدنى عنه قيد أنمله .. كما قضى عليها الشذوذ واللواط وزواج المثلين حتى داخل الكنيسة !!

أما مجتمعاتنا العربية والإسلامية فإنها تتهالك بأسلوب مختلف ؛ ففي الوقت الذي نرى فيه المجتمعات الشيوعية تقتلها الشيوعية أي أنها تقتلها أشياء من صنع يدها حيث الفكر الفكر البلشفي اللينيني والاستاليني .. وفي الوقت الذي نرى فيه الولايات المتحدة تقتلها الرأسمالية .. إحدى تطبيقات الحرية التي هي نخاع المجتمع الأمريكي حيث الهجرة وحيث العبيد السود المتحررين والذين كانوا خدما للبيض .. في الوقت الذي نرى المجتمعات تتهالك وتخرب بما صنعت أيديها .. نرى فيه المجتمعات الإسلامية تقتلها الاشتراكية مرة ..والرأسمالية مرة ..والنظام الاقتصادي المشترك مرة ..والفوضى مرة .. وهي كلها أشياء ليست من صنع يدها ..أي أنه حتى الخراب الذي تقع فيه المجتمعات العربية والإسلامية هو مستورد ..فكل الأمم يخربها خراب من صنع يدها ، أما المجتمعات الإسلامية فقد صارت حقل تجارب لكافة الأنظمة المستوردة ! فهو خراب غربي أمريكي ..وخراب شرقي روسي ..إلى العديد من صور الخراب الأخرى ” المستوردة ” والتي أنهكت الشعوب ..فتعددت صور الخراب والخراب واحد !

عجيب أن يقع هذا من أمة أوجده االله لتخلفه في الأرض وتسيطر على المجتمعات الأخرى مسلمها وكافرها .. فمسلمها ؛ واضح وجه سيطرتها وحكمها .. وكافرها ؛ فالأمة الإسلامية التي جعلها الله شهداء على الناس من سياستها السيطرة على كل الأرض بمجتمعاتها ، فالمجتمعات غير الإسلامية لابد وأن يعيش تحت سلطان دولة العالم ، الدولة الإسلامية ، ويدفع ويلتزم ما عليه مما هو معهود مبسوط في مصنفات الفروع .

فمن أين هذا الخنوع وهذا الانحطاط ؟

أجدني هنا أستعير كلمة سيد قطب رحمه الله تعالى بنصها من ظلاله :

” الهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين . والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية ، فينبغي لها ان تستمد تقاليدها ـ كما تستمد عقيدتها ـ من المصدر الذي اختارها للقيادة .. والمسلمون هم الأعلون . وهم الأمة الوسط . وهم خير أمة أخرجت للناس . فمن أين إذا يستمدون تصورهم ومنهجهم ؟ إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه ! “

هل تتصور أن شيئا يصح وجوده دون السبب الذي وجد من أجله ؟

الله تعالى يقول : ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون “ فالله تعالى خلق هذه المجتمعات لعبادته تعالى ، فإن لم تحقق هذه المجتمعات العبودية لله تعالى فإن حقها هو الإهلاك منه تعالى ..لذلك أهلك لله تعالى هذه الأمم كعاد وثمود وقوم فرعون لأنها لم تحقق العبودية لله ، ولكن الله الحكيم ، يحاسب بعض الأمم بما تستحقه فيهلكها ، ويمد في أعمار أمم أخرى لحكمته وهو الحكيم العظيم الجليل ..قال تعالى

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية :

يُخْبِر تَعَالَى عَنْ حِلْمه بِخَلْقِهِ مَعَ ظُلْمهمْ وَأَنَّهُ لَوْ يُؤَاخِذهُمْ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْر الْأَرْض مِنْ دَابَّة أَيْ لَأَهْلَكَ جَمِيع دَوَابّ الْأَرْض تَبَعًا لِإِهْلَاكِ بَنِي آدَم وَلَكِنْ الرَّبّ جَلَّ جَلَاله يَحْلُم وَيَسْتُر وَيَنْظُر إِلَى أَجَل مُسَمًّى أَيْ لَا يُعَاجِلهُمْ بِالْعُقُوبَةِ ; إِذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لَمَا أَبْقَى أَحَدًا . قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص أَنَّهُ قَالَ : كَادَ الْجُعَل أَنْ يُعَذَّب بِذَنْبِ بَنِي آدَم وَقَرَأَ الْآيَة ” وَلَوْ يُؤَاخِذ اللَّه النَّاس بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة ” وَكَذَا رَوَى الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي عُبَيْدَة قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه كَادَ الْجُعَل أَنْ يَهْلِك فِي جُحْره بِخَطِيئَةِ بَنِي آدَم وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن حَكِيم الْخُزَاعِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَابِر الْحَنَفِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : سَمِعَ أَبُو هُرَيْرَة رَجُلًا وَهُوَ يَقُول : إِنَّ الظَّالِم لَا يَضُرّ إِلَّا نَفْسه قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ : بَلَى وَاَللَّه حَتَّى إِنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوت فِي وَكْرهَا بِظُلْمِ الظَّالِم .

وقال القرطبي في تفسير ذات الآية :

وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْآيَةِ الْعُمُوم ; أَيْ لَوْ أَخَذَ اللَّه الْخَلْق بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْر هَذِهِ الْأَرْض مِنْ دَابَّة مِنْ نَبِيّ وَلَا غَيْره ; وَهَذَا قَوْل الْحَسَن . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : لَوْ أَخَذَ اللَّه الْخَلَائِق بِذُنُوبِ الْمُذْنِبِينَ لَأَصَابَ الْعَذَاب جَمِيع الْخَلْق حَتَّى الْجِعْلَان فِي حُجْرهَا , وَلَأَمْسَكَ الْأَمْطَار مِنْ السَّمَاء وَالنَّبَات مِنْ الْأَرْض فَمَاتَ الدَّوَابّ , وَلَكِنَّ اللَّه يَأْخُذ بِالْعَفْوِ وَالْفَضْل ; كَمَا قَالَ : ” وَيَعْفُو عَنْ كَثِير “

فانظر رحمني الله واياك ، كيف أن عصيان المجتمع البشري كاد أن يتسبب في إهلاك الإنسان والحيوان والحشرات وكل دابة على ظهر الأرض ! الله أكبر ..ما أظلمك أيها الإنسان ..‘ن النتيجة لعصيان الإنسان لله تعالى هي هلاك كل الدواب ، لماذا ؟ لأن الله تعالى كرم الإنسان في حال عبادته لله تعالى ، ونزع عنه هذا التكريم بنفس القدر حين إخلاله بالعبودية ، والله تعالى خلق الإنسان بروح وجسد ، تماما مثلما خلق الدواب بالروح والجسد ، إلا أن الانسان قد تميز بميزتين ظاهرتين :

الأولى : أن الله تعالى قد نفخ فيه من روحه حين خلق جسد آدم عليه السلام أول الخلق ، وهذا هو نفخ الروح من الله في رحم السيدة مريم عليها السلام ..وليس كما يشبه به النصارة الضالون على العوام المساكين من المسلمين .

الثانية : أن الله تعالى رفعه في التصرف والتملك ما لم يرفعه لغيره وسخر ه لمة البشر مالم يسخره لغيرها من الأمم ..نعم .. إن الكائنات الخرى هي أمم أمثالنا كما أخبرنا الله تعالى .. ورغم ذلك فأمتنا البشرية تملك الأمم الخرى من الحيوانات والطيور ، ولا تعبأ بأغلب أمم الحشرات ، فالإنسان هو الخليفة في هذه الأرض

فالله تعالى كرم الإنسان وسخر له ما في الأرض ، فلما أخل هذا الخليفة الخائن بالرسالة كان بذلك مستحقا للهلاك ، وتهلك معه كل دابة على الأرض سخرها الله تعالى له ، فهذا الخليفة الخائن هو محور الكون .

نعم ، تأمل معي الآتي ، إن الله تعالى كرم الإنسان ونفخ فيه من روحه وسخر له ما في الأرض جميعا ، لماذا ؟ لأنه خليفة لتحقيق العبودية في الأرض .

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفةً

فلما أخل هذا الخليفة بالرسالة ، وقدم الخيانة ، وبحث مغرورا بإقطاعيته الصغيرة الحقيرة التي هي الأرض عن ملكوت آخر يعبد فيه ويوالي مالكا آخر وعظيما آخر غير الله العظيم ، هنا استحق نزع الكرامة التي له ، واستحق نزع التسخير منه للأمم الأخرى ، فانحط بذلك بأمته البشرية إلى مصاف الأمم الأخرى غير البشرية من الحيوان والحشرات ، بل أقل منها ، فنزل إلى مرتبة الحيوانية ، ولما لم يخلقه الله لذلك ، ولما كان أن نفخ فيه من روحه وسخر له الأرض وما فيها ، فهنا استحق حرمان ذلك .. بالإعدام الإلهي ..بإهلاك الأمم ..الأمم البشرية الخائنة غير المستحقة للتكريم والتسخير ..

وهكذا ..تستحق الأمم المحق والإهلاك بانسلالها من العبودية ..التي هي ( المهمة الوحيدة ) التي خلقت لأجلها ..

ربي ..رب العالمين .. أشهدك أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لك وحدك ..وبذلك أمرتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .

كتبه

العبد / محمد رشيد

أميزان لقطب وميزان لفوز ؟!

ما أظلمك أيها الإنسان ..ما أفجر قلبك وأظلمه إن إلى هواه رجع وأبى ما الله شرع ..هكذا دأبك ..وديدنك أيها القلب الجهول ..أن تظلم ..أن تنسى رسالة الاستخلاف في الأرض التي بعثك الله بها وصاحبك الذي يحملك بين ضلوعه ..ألا لا رادع لك إلا أن تشاهد الروح تسلب منك ومن صاحبك ..ألا رادع لك إلا أن ترى ميقات أعمالك ينتهي ويحل ميقات حسابك .. حيث قبرك .. حيث لا مستجيب حين يصرخ صاحبك بالرجوع وقد حذّرها فلم يرعها سمعا ..حيث الظلمة الحارة الرطبة التي تتشبع برائحة التراب والغبار ..يا الله .. ما هذه اللحظات ؟! إنها النهاية التي يتوقف عندها العمل ويبدأ الحساب ويتحدد المصير ..يا الله .. يتحدد المصير .. من تلك اللحظة يتحدد مصيرنا ..!! هل تتصورون هذه الحقيقة أعزائي القراء..؟ الله اكبر ..

ما أظلمك أيها القلب وما أتبعك للهوى .. حقا ما أظلمك ..حتى في إطار توهمك التدين والتمسك فأنت ظالم ..تعبد الهوى ..أو تتخذه سببا إلى عبادة الأفراد من دون الله ..! نعم فقد وجدتك تصرف مضامين العبادة لغير الله تعالى فتعادي وتوالي على غير الله ..!

ما كنت أرغب إلا ديني ..إلا عقيدتي .. صدقت في ذلك نيتي أو كذبت ..فليس هذا هو مناط المرام ..حين سمعت عن رجل يكفر المسلمين ويكفر المجتمعات اسمه سيد قطب وعرفت أنه خطير الفكر جدا ..فهو يكفر الحكام والمجتمعات كلها ويرى أنه لابد وأن نخرج عليها ووو .. وأنا لا أقنع بكثرة الكلام ولو تواتر على طريقتنا !! فكثير من كلام النساء يتواتر ..عذرا .. بل إنهن أفضل من يواترن الكلام ويحققن الشرط ..أليس كذلك ؟ .. بلى ..لاسيما ونحن مصريون ونعرف صميم ذلك التصور .. وما نحسبه تواترا هو في الحقيقة ” انتشار ” لكلام مصدره واحد ..انتبهوا .. ثم إن ذات هذا التواتر لا يفيد تواتر مضمون مضمون وصدق الحقيقة ..وإنما يفيد تواتر القول عن الناقل القائل ..وهذا صحيح ..أما صدق التحقق عن المنقول عنه فهذا أمر آخر ولا تأثير لهذا التواتر النسائي فيه ..

من هنا بدأت في القراءة بعين باحثة حول ما يقال ويحوم بهذا الرجل ..فما وجدت إلا أسلوبا راقيا من اللغة الأدبية الرفيعة التي يعجز عنها الحفاة العراة العالة رعاء الشاة ..فأنى للأجلاف من تفهم هذه اللغة ؟!

وجدته أديبا ذا حس وتعبير رفيعين ..ولا يعنينا هنا الاختلافات الداخلية التخصصية في التصور الفني الأدبي بينه وبين المدارس الأخرى وإنما مناط الأمر هنا هو أنه يكتب بأسلوب ما ينبغي أبدا محاكمته إلى ظواهر حرفيات الاصطلاحات االتخصصية الفقهية الأصولية ..وأنبه هنا إلى أنه ليس كما يقوله البعض إنه كلام عامي وعظي غير منضبط علميا ..بل ميدان مباين فليس ثمة مقارنة حيث اختلفت المعايير .. هو تعابير أدبية رفيعة لا يرقى لها أغلب أصحاب التخصصات المغايرة وإن بلغوا ما بلغوا من الاختصاص ..

حقيقة لا يعنيني الشخص بقدر ما تعنيني القضية .. قضية العدل والقسط .. فقد أفضى الرجل إلى ما قدم ..وبقى الهوى واتباعه .. بقى ( التلكيك ) والتنقيب و تحميل الكلام ما لا يحتمل . إنها قضية العدالة في الحكم . وقضية الحكم بإنصاف لا عن خلفية قد حكمت بانقضاء الأمر ونفاذه ..قد حكمها وقضى فيها ذلك القلب الظالم .. حكم وهو الرأس الكبير ..حكم بالضلال على الشخص .. والدليل الوحيد هو البغض ..نعم قد توفر الدليل ..وهو بغض المظلوم .. فكفى ذلك مقتضيت للحكم بالضلال فأعطى الحاكم ( القلب ) الأمر إلى القاضي ( العقل ) التابع الذَنَب الإمعة ..فأصدر الظالم أمره إلى القاضي بالحكم مسبقا ..فمارس القاضي العقل تمثيلية للمحاكمة والحكم منقض مسبقا ..! وهكذا ..حكم على سيد قطب بأنه تكفيري ثوري انقلابي ..إلخ و ما وجدت شيئا من ذلك ..!!

في غمرة ذلك الشعور وقعت عيني على كتاب لامرأة لا أذكر من اسمها إلا نجاح وقد جمعت مقالات وكتابات الدكتورة ” فوز كردي ” حول حكم البرمجة اللغوية العصبية NLP فكان عنوان الكتاب ” الوثنية في ثوبها الجديد ” الله أكبر هذا هو العنوان المباشر لكتاب تصف فيه البرمجة ومارستها بالوثنية فهل هي تكفر المجتماعات المسلمة التي تمارس هذه العلوم ؟

إن أغلب دول الخليج تمارس علوم البرمجة اللغوية العصبية NLP فهل هي تقول إنهم كفار ؟..لماذا لم أسمع من اتهم الدكتورة فوز كردي بأنها تكفيرية ثورية تدعو إلى الإنقلاب ؟

الجواب هو : لأن القلب ( ذلك الظالم ) لم يوجه أمره مسبقا إلى العقل ( ذلك القاضي الإمعة عديم الشخصية ) ليحكم في القضية بذلك ..فالمحور الحقيقي في النهاية في الحكم هو القلب لا العقل ..

كذلك سمعت كلمة خطيرة جدا قالها الدكتور مصطفى محمود ( الدكتور المصري الشهير ) ..حيث استقبلوه في برنامج “مواجهات ” على قناة ( إقرأ) الفضائية ..وكان الحديث حول كتابه ” حوار مع صديقي الملحد ”

فسأله مقدم البرنامج : من هو صديقك الملحد هذا ؟

فجاء رد الدكتور مصطفى محمود : هو الجيل الجديد كله بما يحيك في صدره من شكوك !!

ما هذا ..هل الدكتور مصطفى محمود يكفر كل الجيل الجديد لأنه يتشكك في وجود الله ويسأل في وجود كما أوضح في استطراده في كلمته تلك بالبرنامج ؟!

لماذا لم تتوجه الأقلام والأصوات إلى الدكتور مصطفى محمود بانه يكفر المجتمعات لأنه ينسب لها الشك في وجود الله ؟!!

نعم نعم نسيت .. القلب لم يصدر كلمته .. تذكرت

ربما يسأل البعض من القراء ..ماذا تريد أن توصلنا إليه ؟

أقول : فقط تذكر أن قيامتك وآخرتك أنت – عزيزي القارئ – تقوم بموتك ولن ينفعك هذا الطاغية الظالم الذي هو القلب ..لن ينفعك حكمه المسبق الذي ينقاد له عقلك ..وأنت مسؤول عما عليه قلبك الذي سيودي بك في التهلكة ..لن يضرك أن تقابل الله وأنت لم تتخذ موقفا من فلان وعلان ..وزيد وعبيد .. وإنما يضرك والمهلكة كل المهلكة أن تأتي وقد وقعت في هذا وأكلت لحم هذا وأطعت قلبك الطاغية في إيذاء عباد الله تعالى

تذكر عزيزي القارئ ؛ ستلقى الله حتما في وقت قريب ..ستموت وأموت فعليك نفسك وعليّ نفسي ..فعليك نفسك وعليّ نفسي ..فعليك نفسك وعليّ نفسي

لو لم يكن لي عدو لوددت أن يكون

هل سمعت مرة شابا أو شابة يذكر نفسه بأنه ” اجتماعي ” وأنه يستطيع إقامة علاقات مع الناس على مختلف توجهاتهم وطبائعهم ؟ هل رأيته مرة و هو يقف ويتحاور ويتضاحك مع شخص ذي توجه معين ، ثم رأيته يقف بنفس السلوك مع شخص آخر ذي توجه ثان ، ثم مع ثالث ذي توجه ثالث ، وهكذا ..؟

هل عرفت من هذا ؟ نعم  ، هذا هو الشخص الذي نطلق عليه في مجتمعنا إنه شخص ” إجتماعي ” أليس كذلك ؟

وفي الحقيقة لا أهتم كثيرا بالمصطلحات ، فقط أهتم بالمضامين والمعاني خلف تلك المصطلحات ، قل اجتماعي ، قل انتشاري ، قل متعامل ، قل هلامي ..قل ما تريد ، وإنما يعنيني هذا المعنى الذي تترجمه عيني حينما أرى تلك الشخصية التي تحدثت عنها ، ربما تقف أنت معه مرة فتسأله السؤال التالي : يارجل أراك تقف مع فلان وتمزح معه ويحبك وهو اشتراكي ، وأراك تقف مع فلان الآخر ويضحك معك ويحبك وهو من حزب كذا ، وأرى فلانا يذكرك بخير ويقول إنه لا يرى أبدا من هو مثلك في العشرة والأدب وهو يعتقد العقيدة الفلانية …فما هذا يارجل وكيف نجحت في هذا ؟

فربما تراه هنا يبتسم لك ويقول في ثقة : أنا أحاول بقدر الإمكان أن أكون اجتماعيا ..وأنا بالفعل ناجح في هذا والناس كلها تحبني ..

ما هذا ؟ أو أقول : من هذا ؟

من هذا الشخص الذي يحبه الناس جميعا واستطاع أن يرضي الناس جميعا ؟ وهل هو شخص ذو عقيدة واضحة ؟ هل من يحبه أصحاب كل التوجهات هو شخص ذو عقدية واضحة ومعلومة ومحددة ؟ ..ربما يكون معتنقا عقيدة اللاعقيدة ، ولكنه في هذا الحال أيضا يكون معتنقا عقيدة العلمانية ، وهي في حد ذاتها عقيدة لها المنتسبون المتعصبون لها ، ولها أعداؤها المناوؤن لها ، فمن يكون هو الذي يرضى الناس جميعا إلا …منافق !

كلمة كبيرة ..منافق ! أليس كذلك ؟ بل هي كبيرة ، ولكن دعك منها وتعالى نكون عمليين ، لو أنك عزيزي القارئ كنت علمانيا ..حاشاك من ذلك .. ثم أجد علاقاتك حسنة إلى أعمق الحدود مع كل الأفكار من حولك ، فماذا يعني هذا ؟ أو بصيغة أدق للسؤال كيف استطعت أن تجعل الناس كلهم يحبونك ويتعاملون معك بقلوب صافية كما يصفها من يصف نفسه بأنه ” اجتماعي” ؟

قد تقول : أنا أعتقد أن لكل فرد عقيدته في قلبه وبعدها نتعامل بلغة الإنسانية …حسنا ، سأتجاوز معك وافترض أن هذا مشروع وممكن ..ولكني أجد نفسي هنا أسأل سؤالا آخر : وهل إذا كتم الناس عقائدهم في صورهم لن يظهر منهم ما يدل عليها تجاهك من علامات الحب أو البغض ؟ ..عليك أن تشك في ذلك فإن الإنسان بطبيعته ضعيف ..معبر ..يفضفض بما في قلبه ..لا يستطيع أن يكتم مشاعره تجاه الأشخاص ، فهو مخلوق ضمن مجتمع ، وليس إنسانا آليا . أليس كذلك ؟

إذا ما زال السؤال قائما : كيف استطاع هذا ” الاجتماعي ” أن يكون كذلك ؟

الجواب هو ما ذكرته لك : النفاق !

إن الانسان لا يستطيع أن يكتم عقيدته ، مشاعره تجاهها ، فهو دائما يعبر عنها ، بل ويدعو إليها كذلك ، وطالما هو تعرف عليك وصار صديقا لك ، فسيحدث واحد من اثنين ، إما انه سيدعوك لعقيدته فإن رضيت بها أو داهنته أو أظهرت له نوع ميول فهنا سوف يضحك لك وتصير من أحبابه وتصير اجتماعيا ..وإما إن رفضت فهو إنسان كيف سيكون حبيبا لك وتكون أنت ” اجتماعيا ” ؟!

لو كانت نظرية ” أنا اجتماعي ” صحيحة وفيها خير لكان أولى الناس بها هو محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه رأى من كفار قريش أشد ألوان الأذى ومحاولات الإهانة ، لماذا لم يكن النبي اجتماعيا حينما ضاق صدره من كلامهم ؟

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ

  سورة الحجر

لماذا لم يكن النبي اجتماعيا حينما استهزأ به القرشيون في عصر الدعوة المكية ؟

إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ

سورة الحجر

 

لماذا لم يكن الرسل اجتماعيين حينما استهزأ بهم أقوامهم ؟

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

سورة النعام

ولماذا لم يكن النبي اجتماعيا فيمنع من نفسه سلا الإبل الذي كان يلقى عليه وهو يصلي بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

لا أدري، هل كان النبي يكتم عقيدته في قلبه ويتعايش مع المجتمع ؟! هل كان اجتماعيا على مذهب هذا الاجتماعي الذي نتحدث عنه ؟

عزيزي القارئ ، إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وطالما أنت على عقيدة محددة فاعلم أن لك أعداء قطعا ، فإن لم يكن لك أعداء فاعلم أنك لست على عقيدة وعليك هنا أن يكون لك أعداء ..و.. عليك أولا أن تكون لك عقيدة .

 

توظيفي لنظرية تأثير الفراشة

 

نظرية تأثير الفراشة رغم عمليتها ورغم كونها نظرية رياضية فيزيائية بحتة إلاأنها في المجال التطبيقي التصوري لا تكون بهذه السهولة التي تكون بها في المجال التطبيقي الإداري ، فحينما يتم طرحها فربما تكون سببا للتفريج أو الترويح أكثر من كونها نظرية جدية ينبغي علينا استغلالها واستثمارها ..

بعض القراء الآن ربما سيترك قراءة المقال لأنه لا يعلم من الأصل ما هي نظرية الفراشة ، لذلك أتعرض لها هنا باختصار حتى نفهم – فقط – فكرتها دون التعمق وراءها فهذا لن ينفعنا كثيرا

المفهوم العام لتأثير الفراشة

تقوم نظرية تأثير الفراشة ببساطة على أن فراشة  لو رفرفت في الصين مثلا أو غابات الأمازون فإنها يمكن أن تحدث عواصف او اعاصير في قارة أخرى ..كيف ذلك ؟

تقوم هذه النظرية على عدم الربط المباشر بين مقدار القوة الأولى التي أحدثت التغيير ومقدار القوة الثانية التي نتجت عن هذا التأثير ..هل تذكر لعبة حبات الدمينو ؟ إنها لعبة شيقة جدا ، حيث يقوم الهاوي بصف حبات الدومينو بطريقة فنية مدروسة بحيث تؤدي في النهاية إلى نتائج هي أكبر بكثير من أن تكون ناتجة مباشرة من حبة الدومنو الصغيرة الخفيفة الوزن ..وهل تذكر المثل العربي : ” تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير “؟

هذه القشة هي في النهاية قشة لا وزن لها تقريبا ، ولكن هذا الوزن الضئيل جدا ، تحت ظروف وأحوال معينة ، كان له من التأثير بحيث إنه قصم ظهر البعير ، و هذا هو بعينه نظرية تأثير الفراشة في بعض صورها التطبيقية . ولو رغبت مزيدا من التفصيل حول نظرية تأثير الفراشة فيمكنك الرجوع إلى مقالي بعنوان : ” الإنسان أكبر من مجموع أجزائه “

الذي صاغ نظرية تاثير الفراشة هو العالم الرياضي وعالم الأرصاد الجوية إدوارد لورينز المولود في 23 مايو 1917 والمتوفى في 16 إبريل 2008 حيث صاغ هذه النظرية عام 1963 علما بأن لورينز كان يعمل أثناء الحرب العالمية الثانية مع القوات الجوية الأمريكية ليرصد لهم الأحوال التي يعملون بها ، وقام بالتدريس في عدة جامعات منها جامعة هارفارد .

حينما نتكلم حول هذه النظرية ربما يثير ذلك بعض الشكوك بأنها تقال فقط في بيان مدى أهمية اعتبار الأشياء الصغيرة التي لا ننتبه إليها ، وانها فقط تستعمل كأسلوب للمبالغة ليس أكثر ، أما عند مجال التنفيذ فالمر أبسط من ذلك كثيرا ولن ننتبه إلى كل شيء يجري ، فهنا فراشة تقف على زهرة في حديقة الشركة ، وهنا ورقة تسقط من موظف ، وهنا القلم يتدحرج على المكتب فيحدث صوتا خاصا ، وأن كل هذه الأحداث التافهة يمكن أن تؤدي إلى نتائج عظيمة ..فهل سنظل منتبهين إلى كل صغيرة وكبيرة تحدث !

أقول إن هذا فهم غير صحيح لنظرية تأثير الفراشة أو بمعنى أدق لأوجه أو طرق الاستفادة والاستعمال لهذ النظرية ، كيف ؟

من وجهة نظري الشخصية أن الاستفادة من نظرية تأثير الفراشة في المؤسسات والشركات والمجال الإداري لا تكون من خلال استعمالها في أحداث الأحداث ، أي أنك لا تنتبه إلى عصفور يقف على الشباك وإلى ورقة تسقط لتبدأ تسير وراء أحداثها لترى ماذا فعلت كل حركة تافهة !

وإنما يستفاد من نظرية تأثر الفراشة في مجال التحليل ، أي في تحليل الأحداث التي وقعت بالفعل وأحدثت بالفعل نتائج كبيرة سواء سلبية أو إيجابية ..فربما حدثت مشكلة ضخمة بالشركة عطلت حركة العمل أو أنقصت حصة السوق ، فيذهب المحللون عادة إلى البحث وراء الأسباب الكبيرة والعظيمة كذلك لأن الحدث عظيم ..نقول : لا ، بل افصل بين عظمة الحدث وعظمة السبب ، بل ربما يكون السبب هو قلم وقع من على مكتب أحد الموظفين في توقيت معين في ظروف معينة ، فينتج عنه سلسلة من الأحداث تضخمت وتفاخمت فأدت إلى هذه المشكلة العظيمة ..

لا تتسرع بوضع الحلول من خلال تضحيات كبيرة لأن المشكلة  كبيرة ، فربما بعد التحليل تبين لك أن السبب تافه جدا ، وأنه لا سبب أصلا ، فلا تضطر أن تتخذ أي قرار بخصوص شيء من الأمور المستقرة بالمؤسسة ، وذلك لأنها ليست أسبابا من الأصل ..بل السبب ..ربما يكون …فراشة !

 

المستقبل لهذا الدين

من أروع مختصرات المجاهد الأستاذ الأديب / سيد قطب ـ رحمه الله وجعل الجنة مثواه

الإسلام ومشكلات الحضارة

من مكتبة المجاهد الأستاذ الأديب / سيد قطب ـ رحمه الله وجعل الجنة مثواه ـ

الإسلام والكونفوشيوسية وتأملات دركر

نعم ، إن دعاوى إصلاح المجتمع فقط لأجل المجتمع تؤدي إلى التخلي عن إصلاح المجتمع . تلك حقيقة لا مجال لإنكارها على أرض الواقع ، فلا يمكن تصور هذا الذي يحب الناس والمجتمع ويريد أن يصل به إلى أعلى درجات الكمال والرفاهية والسعادة ، هل هذا ممكن ؟ نعم ، إنه ممكن على طريقة المذيعة التلفزيونية ذات الابتسامة الصفراء ، والتي تخبرنا بتمنياتها لنا بكامل السعادة والهناء في مشاهدة المسلسل التلفزيوني الذي تقدمه ، وها أنا ابادلها الابتسامة الصفراء البلهاء وأقول لها ( شكرا على منحك السعادة الاجتماعية لنا )

كم من القارئين الآن لا يصدقون مصطلحات مثل : ” الإصلاح الإجتماعي “ ،، ” مصلح إجتماعي “ .. إلخ ؟

لعل الأغلبية الساحقة من القراء لا تولي اهتماما يذكر لهذه المصطلحات ، إلا بعض الحالمين الورديين الذين لم يغالبوا الحياة بعد . نعم ، فهؤلاء القلة هم ( الزبائن ) و ( اللقطاء) لأصحاب الابتسامات الصفراء والمدعين لتطلعاتهم ( الجميلة ) لعمليات الإصلاح الاجتماعي والذين يخبرونا عن كون نواياهم الحقيقية وراء ممارساتهم الإصلاحية منبعها هو حبهم للإنسان والمجتمع ورغبتهم الجامحة في أن يروا المجتمعات كلها سعيدة وبصحة جيدة وتشرب المشروبات الغازية في الجو الحار ، وتشم الأزهار في الربيع و الحب يملأ القلوب ( والعيد فرحة وأجمل فرحة ).

إن بلاهة ذلك وعدم منطقيته تكاد تكون بديهية متبادرة لأصحاب الحد الأدنى من المستوى الفكري ، والابتسامات الصفراء لو خفيت على المنطق والمعادلات ، فإنها لا تخفى على الإنسان متعلما كان أو أميا ، راقيا كان أو متخلفا . وحقيقة فقد تعجبت حين اطلاعي على كثير من المذاهب والتوجهات الاجتماعية المختلفة للعديد من القواد وأصحاب الفكر الاجتماعي المستقل والإصلاحي ؛ من كثير الصراعات الفكرية والدعوات حول الأهداف – الحقيقية – والغايات من وراء تلك الدعوات الإصلاحية . فرغم اطلاعي على الدعوات الإصلاحية والفلسفية العديدة لعديد من المفكرين و ( الإصلاحيين ) كنت أتساءل وأطرح سؤالا : ما هي أهدافهم من وراء تلك الدعوات الإصلاحية والتحمل في سبيلها ؟ ربما يقال : هدفهم هو إصلاح المجتمع : فأتساءل مرة أخرى – ولي كل الحق – : وما هدفهم من إصلاح المجتمع ؟ فلو أجابني أحدهم :” الهدف من إصلاح المجتمع هو إصلاح المجتمع “

فهنا ربما أنصحه ألا يدمن البرامج التليفزيونية المقدمة للأطفال .

إن لكل مصلح إجتماعي – قطعا- ما هو أعظم من المجتمع ؛ ذلك الذي يدفعه إلى إصلاح المجتمع . أما أن يكون المجتمع – أو إصلاحه – هو الدافع لعملية الإصلاح فهو جواب أتفه من أن يلتفت إليه ؛ ذلك أن الإنسان مجهول ومفطور على إرضاء نفسه وشهواته وأن ينتزع ما يرضيه من يد الغير ، وإنما يتم تهذيب تلك الغرائز الإنسانية من خلال تعاليم وإرشادات هي أقرب إلى الإلزام منها إلى الطلب أو النصيحة ، وطالما قد تحقق عنصر ( الإلزام ) فلابد أن يكون المصدر لذلك الإلزام هو قوة عليا قادرة ومؤهلة لأن تصدر ذلك الإلزام وينصاع له الناس ، أما العلاقة المجردة بين الفرد والمجتمع فلعل الغالب منها هي علاقة الثأر أكثر منها علاقة الجميل والإحسان . هذا إن أردنا الواقع والحقيقة دون التغرير بالنفس الساذجة.

هل ثمة تشكك مما ذكرت ؟ يغلب على ظني أن أغلب القراء هم ( واقعيون) – براجماتيون- يؤمنون بما يثبته الواقع أليس كذلك ؟

نعم أظن . لنطلع إذا على الواقع .

نعم ، إن عمليات الإصلاح الاجتماعي تتطلب وجود ( قوة عليا) تفرض أحكامها وإلزاماتها على الشعوب ، وبقدر التزام الشعوب الإصلاح الاجتماعي ( الفعلي) والمبادئ الأخلاقية في ممارساتها ويومياتها بقدر ما نجد صفة ( العلو ) و( القوة العليا ) في معتقدات أو حتى ثقافة تلك الشعوب ، فبحسب قرب وبعد الشعوب من تبني مفهوم ( القوة العليا ) يكون تمسك الشعوب الفعلي بالعمليات الإصلاحية الاجتماعية .

من الأعمال إلى الثقافات والمعتقدات

قبل فترة وجيزة كان اهتمامي منصبا في تقنيات ممارسة الأعمال Business وبالتحديد في مجال التسويق Marketing فربما كانت تظهر لي دولة ( الهند ) بصورة متكررة ، وما كنت أتصادف مع اسم ذلك البلد قبل ذلك التخصص ـ الأعمال Business - لعدم حضورها السياسي الواضح والمعتبر إلا من خلال تلك المناوشات واستعراض القوى ( مع الباكستان ) . لماذا ؟ لكون الهند هي من أكثر الدول التي فتحت بلادها للاستثمارات الأجنبية متعددة الصور ، وأشهر تلك الصور عقود الفرانشيز Franchise فترى الهند مليئة بمحلات مطاعم كنتاكي وماكدونلز . نعم فتحت الهند أسواقها ، وتلقت المدخلات الخبراتية الجديدة من الولايات المتحدة الأمريكية كذلك تلقت ( اليابان ) مدخلاتها الجديدة من الولايات المتحدة الأمريكية – الإدارة – بعد الحرب العالمية الثانية وفتحت أسواقها – نسبيا – كذلك للولايات المتحدة وأوروبا وبالأخص الأولى ، ولكن لم تصادفني اليابان خلال دراساتي للأعمال مثلما صادفتني ( الهند) نعم ، إن المعرفة حول اليابان لايمكن أن تتأتى ـ فقط – من خلال دراسات الأعمال كما هو الحال مع الهند ، إنها تحتاج إلى دراسات تاريخية ، اقتصادية ، سياسية ، ثقافية عميقة .

بالنظر إلى دولة اليابان وتاريخها بعد الحرب العالمية الثانية نجد أنها – بالفعل- قد استفادت من الولايات المتحدة الأمريكية ، إداريا وتقنيا ، ويكفي أن نعلم أن صناعة السيارات هي أمريكية المولد من خلال العملاقين فرود وجنرال موتورز ، ثم احتلتها اليابان أو على الأقل استولت على العديد من مناطقها الوسعة ، وكذلك الناسخة أو الطابعة ، هي أمريكية المولد وقد احتلتها اليابان بالكلية . وقد استفادت بالفعل اليابان من التقنية الإدارية والصناعية بالولايات المتحدة المريكية ولكن السؤال هنا : ما هو الفارق تحديدا بين اليابان والهند مع استفادة كل منهما من الولايات المتحدة ؟

الجواب: إن اليابان نقلت (التقنية الإدارية ) إلى بلدانها وقد رسخت ثقافتها ، فاستعملت الإدارة ـ تلك الأداة المرنة ـ كوسيلة مطاطة يمكن استعمالها مع كافة المجتمعات على تقنايتها الواسعة ، أما الهند ، فإنها جاهدت لنسخ الثقافة الأمريكية بعد أن تهاونت بثقافتها الداخلية وانبهرت بالتقدم والثقافة الأمريكية ، ولم يكن لليابان نصيب من ذلك الانبهار . وعلى الرغم من تقدم الهنود في مجال برمجة السوفت وير فإنك تلحظ ضعف شخصية الهندي العامل ، سواء في البلدان الغربية أو الشرقية أو العربية ، وتلحظ محاولتهم محاكاة الغربيين في سلوكهم ولغتهم وعاداتهم ، على الخلاف في ذلك من شخصية الياباني ، فإنه – وعلى الرغم من سفره للولايات المتحدة الأمريكية لتعلم التقنيات فإنه يتفاخر بنسبته اليابانية وبوطنه الياباني ، ويتعمد إظهار اختلافه عن المجتمع المهاجر إليه بتمسكه بعادات وطنه اليابان .

إن الأمر إذا لايمكن تناوله من منظور الأعمال مجردا ، بل إنني أنتقل بالاختلاف السطحي إلى تجذيره في العمق ؛ عمق الثقافاة والمعتقدات .

لماذا اليابان ؟

إن ما ندور حوله دائما وفي مطلع المقال هو ارتباط ممارسات الإصلاح الاجتماعي بما هو بعد الحياة الدنيا ، وأن المحور في ذلك هو وجود قوة عليا تدعونا إلى الإصلاح الاجتماعي و( تصبرنا ) على ما نعانيه أثناء ممارساتنا الإصلاحية ، لكن ما أريد الوصول إليه من خلال تناولي لليابان هو أن الشعوب والمفكرين المتنورين – حقا – والصرحاء مع أنفسهم ومع المجتمع الذي يعملون على إصلاحه ، هم دائما في بحث عن تلك القوة العليا ؛ فحينما تمسكت اليابان بقيودها في التعامل مع الثقافة الغربية الأمريكية كان ذلك لتمسكها بتقاليدها وعاداتها ( الكونفوشيوسية ) وهي عادات – لا يمكنني أن اطلق عليها عقيدة – متأصلة متجذرة ، فيها العديد من المباديء الحميدة ، والتي تدور حول محاور التعامل مع الأسرة والمجتمع واحترام الغير وعدم الجشع والإقدام على فعل كل ما هو فعال وإيجابي وترك الأمنيات المجردة عن الفعل . إن تلك المبادئ اليابانية ـ والتي اقتربت من أن تكون عقائدية ـ يرى فيها اليابانيون تناقضا مع ممارسات ومبادئ الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي تعكس روح دولة إمبريالية توسعية تسعى لفرض سيطرتها الاقتصادية دون أدنى قيود أو مبادئ.

إن المبادئ اليابانية ( الكونفوشيوسية ) يرى عالم البيئة الاجتماعي / بيتر دركر Beter Drucker أنها ضرورية للإدارة والمجتمع المؤسسات كمبادئ ، هذا إلى جوار العقيدة الراسخة اليهودية المسيحية في وجود إله واحد نعمل من أجل ما يمنحنا في الحياة الآخرة .

حقيقة ، لا يمكنني إخفاء تقديري لعقلية بيتر دركر الاجتماعية والتحليلية ، ويمكنني القول تقريبا إنه أقرب العقليات والتوجهات التي قابلتها إلى العقلية التي أومن باستعمالها تجاه البيئة الاجتماعية ، والتوجهات التي أسلكها في تحليل تلك البيئة ، لكني كذلك لا يمكنني أن أخفي ما أدركته يقينا – من خلال إدماني لما صنفه وصنف عنه – من وقوعه في تخبط البحث عن القوة العليا التي لابد أن تعمل الإدارة من أجلها وتحت سيطرتها في ظل الإيمان بها ، فمن خلال قراءاتي له وعنه يظهر لي أنه تحول عن ديانته الأصلية ( اليهودية ) إلى النصرانية ( الكاثولكية ) غالبا ، يظهر ذلك من خلال المسحة الدينية الواضحة في كتاباته ، واهتماماته ( الزائدة) بالحديث عن ( الكنائس الدعوية ) وما يقال من أنه بعدما كبر ـ حيث توفى عن عمر 96 عاما إلا أشهر قليلة ـ وظف وقته للاستشارات الخيرية للكنيسة ، أو ربما يكون مؤمنا كما هو الظاهر بعقيدة مسيحية يهودية مشتركة مع الأخذ في الاعتبار أنه كان من المحافظين . فيظهر للمدقق والمحلل أنه يحاول جاهدا أن يوجد حزمة من العقائد والأخلاق التي تقنع بها الذات البشرية في أثناء ممارساتها الإصلاحية النقدية الاجتماعية .

هل اطلع على قانون الإسلام ؟

من خلال مطلعاتي إلى تأملات ومحاولات دركر والتي تبدو مستميتة في البحث عن القوة العليا والغايا الأسمى ، أجده يقترب – حقا – شيئا كثيرا من قانون الإسلام ؛ وهذه طبيعة البحث الجاد و( الصادق) حيث إن دركر يتبين – لمن يجرد مصنفاته – إنصافه وحديثه في البحث عن النظام الاجتماعي الراسخ ، فأثبت الحياة الآخرة وضرورة الارتباط بالآخرة من خلال ثوابته المسيحية اليهودية والمؤمنة بالبعث ، ثم أثبتت النظام الاجتماعي الخاص بالتعامل مع الأفراد وسلوك الإنجاز للمهام من خلال الكونفوشيوسية اليابانية ، كل ذلك في خلال بحثه عن تلك ( الحزمة ) التي تؤدي ما يرنو إليه من الاستقرار والإصلاح الاجتماعيين . والسؤال هنا : لماذا لم يتناول العقائد والسلوك كليهما من مصدر واحد ؟ الجواب : لأنه لم يتناول الإسلام بذات التحليل . ذاك هو ما أكاد أجزم به من خلال تتبعي وقراءاتي لبيتر دركر .

ولايمكنني أن أجد مبررا لعدم التحليل للإسلام ومبادئه وسلوكه من خلال شخص دركر ؛ فأنا أستبعد كونه لم يطلع ولم يسبر تلك المبادئ والسلوك ، لكن بأي منهجية بحثية تم تناولها ؟ هل بما ينعكس عن المسلمين من أحوال سياسية واقتصادية متأخرة ، بل منتكسة ؟ ربما.

ما أشبه المجريات اليابانية الواقعة بما ينبغي أن نكون عليه في دولتنا الإسلامية . نعم ، إن اليابان يتجسد بها انعكاس ثقافتها وتقاليدها على قراراتها السياسية و الاقتصادية ويتبين ذلك حتى لغير المثقفين من خلال منعها استيراد الأرز الأمريكية ذي الجودة الأعلى وإلزامها بالاستهلاك للأرز المحلي الياباني ذي الجودة المتدينة ؛ حفاظا على ( قوتها ) أن يكون بيد غيرها ، فضلا عن أن يكون بيد أعدائها .

عوامل التفوق تتمركز بالشرق حاليا

اليابان دولة شرقية ، ولكن ، لم يسترع تفوقها ـ للأسف – الانتباه من قبل دول الشرق لتكسر من خلال ذلك تلك الثقافة الشعبية التي احتلت العقول والقلوب قبلها بأن عوامل النجاح إنما هي غربية ، وأن كل التخلف لنا نحن الشرق بل اعتبرت اليابان استثناءا ، وهكذا استمررنا في المنظومة الانهزامية ، فلما درسنا عوامل التفوق اليابانية نظرنا إلى العوامل اليابانية خاصة ، من معتقدات ومبادئ والتقاليد ، ولم ننظرإلى جوهر نجاح تلك العادات والمبادئ وسر تفوقها فقد نظرنا إليها على أنها نجحت لأنها يابانية ولم ننظر على أن نجاحها هو لسر فيها ، وأن كون اليابان قد تبنت تلك المبادئ والتقاليد ونجحت بها هو غير مؤثر بذاته بل المؤثر هو تلك الصفة في تلك المبادئ ، والتي جعلت منها قواعد للتفوق .

إن وحدة التفوق متحققة – فعليا- في الشرق وهي العقائد والمناهج والمبادئ الإسلامية ، لكن الفرق بينها وبين اليابان ليس في جوهر مبادئها ، بل لكونها قد طبقت بالفعل ما لديها من مبادئ والتي جزء كبير منها هو على صواب بل من صلب ما تدعو إليه الشريعة الإسلامية .

نعم إن اليابان لا ينبغي أن ندرسها كحالة استثنائية ، و لا ينبغي أن نعتبر نجاحها ( يابانيا ) بل من الممكن أن نعتبره ( شرقيا ) بمعنى أن ( الإسلام ) هو محور الديانة الشرقية أو يحتل بها مكانة عظيمة ولو في النفوس بحيث لا يوازيها التطبيق . يجب على الكوادر الراغبة في الإصلاح من الشرقيين أن يبحثوا في عوامل التفوق الحقيقية ، والتي جزء منها كان سببا في تفوق اليابان وليست عوامل النجاح هي يابانية ، وإنما تفوقت – أي اليابان – لأنها التزمت تطبيق جزء من رواسخ شرقية هي غير مطبقة بالشرق الأوسط العربي ، وكونها ـ كذلك – عوامل للنجاح ليس لشرقيتها ، وإنما لإسلاميتها ؛ حيث إنها تشريع أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من فوق العرش ، من لدن حكيم خبير .

كتاب / حفارو القبور ـ جارودي

هذا الكتاب لجارودي يعرض الحقيقة التوحشية للإمبريالية التوسعية الأمريكية

كما يعرض حقائق بالأرقام لإظهار الوجه الحقيقي لعمايات الإصلاح الامريكية المدعاة !

ننصحك بقراءة الكتاب .. فسوف يحدث اختلافا في تقييمك بغض النظر عن خلفيتك الحالية

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.